إخلاء مسؤولية: يعكس هذا المقال قراءة شخصية من منظور مهتم بالسياسات العامة والاستراتيجية والتاريخ العسكري، مبنية بالكامل على معلومات ومصادر متاحة للعامة، إلى جانب انطباعات شخصية من زيارتي للمعرض. لا يستند المقال إلى أي معلومات عسكرية غير معلنة أو معرفة داخلية بقدرات أو خطط القوات المسلحة المصرية. ومن الطبيعي أن تكون لدى مؤسسات الدولة معلومات وخطط وإجراءات لا تتاح للرأي العام، وقد تكون بعض الأسئلة التي أطرحها هنا لها بالفعل إجابات لا أعرفها.
تشرفت صباح اليوم بحضور افتتاح معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء 2026 في نسخته الثانية.
والمعرض، الذي افتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم، أصبح تجمعًا كبيرًا لصناعات الطيران والدفاع والفضاء، بمشاركة أكثر من 250 عارضًا من نحو 50 دولة، وبحضور مؤسسات عسكرية ومدنية وشركات دولية كبرى.
خرجت من المعرض بانطباعين.
الأول هو الانبهار والسعادة بحجم التطور الذي حدث في منظومة التسليح المصرية، وخصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي ومكافحة المسيّرات.
أما الثاني فهو مجموعة من الأسئلة. والمفارقة أن معظم هذه الأسئلة ليست عن السلاح نفسه. بل عن المنظومة التي تحيط بالسلاح.
ربما كان أكثر ما لفت انتباهي هو أن التطور في التسليح المصري لم يعد مقتصرًا على شراء منظومات متقدمة من الخارج. فهناك تحول واضح نحو التصنيع والتطوير المحلي.
والأهم أن هذا لا يحدث فقط من خلال المؤسسات الصناعية التقليدية للدولة، مثل وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع، وإنما أصبحنا نرى منظومة أوسع تضم شركات مصرية جديدة، مهندسين مدنيين، فرق بحث وتطوير، وشراكات مع شركات ودول أجنبية.
هذه تطورات مهمة جدًا. لكن امتلاك السلاح ليس نهاية القصة. هو في الحقيقة بدايتها.
السؤال الأصعب: ماذا يحدث بعد أن نمتلك التكنولوجيا؟
كلما أصبحت التكنولوجيا العسكرية أكثر تعقيدًا، أصبح العنصر البشري وطريقة التشغيل واتخاذ القرار أكثر أهمية. فيمكن للدولة أن تمتلك رادارًا ممتازًا، أو مسيرة متطورة، أو منظومة اعتراض فعالة للغاية.
ولكن تظل هناك أسئلة مختلفة تمامًا:
هل الأفراد والضباط الذين سيستخدمون هذه المنظومات مدربون على السيناريوهات المختلفة التي قد يواجهونها؟
هل توجد إجراءات تشغيل واضحة ومختبرة؟
هل يعرف كل مستوى من مستويات القيادة ما الذي يملكه من صلاحيات عند ظهور تهديد مفاجئ؟
هل تم التدريب على حالات تعطل الاتصالات، أو التشويش، أو ظهور أكثر من تهديد في الوقت نفسه؟
وهل نختبر هذه الإجراءات دوريًا، ثم نعيد تصميمها بناءً على نتائج التدريب؟
هذه ليست أسئلة مصرية فقط. هي أسئلة تواجه كل الجيوش الحديثة.
بل ربما أصبح أهم تحول في الحروب المعاصرة هو أن سرعة دورة اتخاذ القرار نفسها أصبحت سلاحًا.
وهنا يعيدنا التاريخ إلى «التوجيه 41»
من أكثر الأشياء التي أثرت في قراءتي للتاريخ العسكري المصري قصة التوجيه 41 الذي أُعد في عهد الفريق سعد الدين الشاذلي قبل حرب أكتوبر. عبقرية التوجيه 41 لم تكن أنه اخترع سلاحًا جديدًا. كانت في شيء آخر تمامًا.
لقد أخذ عملية شديدة التعقيد و هي عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف وحوّلها إلى مجموعة ضخمة من المشكلات والسيناريوهات والإجراءات المحددة التي يعرف كل فرد تقريبًا ماذا يفعل فيها.
تذكر بعض المصادر أن التخطيط تعامل مع 132 مشكلة مرتبطة بالعملية، من العبور والساتر الترابي إلى حماية القوات ومواجهة الاحتياطيات الإسرائيلية.
والأكثر إثارة للاهتمام أن الشاذلي لم يتعامل مع الخطة باعتبارها نصًا مقدسًا مكتملًا.
قبل الحرب، ناقش مسودة التوجيه مع طلبة كلية القادة والأركان القادمين من مختلف الأفرع والتخصصات، واستُخدمت المناقشات لاكتشاف المشكلات وتحسين الحلول قبل اعتماد الصورة النهائية.
ثم جاء التدريب.
وتصف المصادر كيف جرى تحويل أجزاء من الخطة إلى إجراءات عملية تدربت عليها القوات مرارًا قبل الحرب. وعندما زار الشاذلي الجبهة يوم 8 أكتوبر، روى لاحقًا كيف كان الجنود والضباط يشيرون إلى «التوجيه 41» لأن ما شاهدوه في الميدان حدث قريبًا مما تدربوا عليه مسبقًا.
وهنا توجد في رأيي فكرة شديدة الأهمية:
أفضل قرار في المعركة قد يكون القرار الذي تم التفكير فيه والتدرب عليه قبل أن تبدأ المعركة أصلًا.
وربما كان الإنسان أحد أهم أسلحة أكتوبر
هناك درس آخر لا ينبغي أن ننساه.
بعد 1967، لم يكن تطوير القوات المسلحة المصرية قائمًا فقط على استيراد معدات أحدث، وإنما شمل محاولة رفع القدرة العلمية والفنية للقوة البشرية التي ستتعامل معها.
وتشير مصادر مصرية تاريخية إلى زيادة الاعتماد على المجندين من حملة المؤهلات العليا لاستيعاب المستوى التكنولوجي المتزايد للأسلحة، بالتوازي مع تحديد المسؤوليات والصلاحيات والتدريب على أكثر من سيناريو.
وهذه الفكرة تستحق البناء عليها في عصر مختلف تمامًا.
فالحرب الحديثة أصبحت تعتمد على البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والروبوتات، والأنظمة الذاتية، وتصميم العمليات.
وبالتالي، ربما لا يكفي إشراك القطاع المدني في صناعة hardware عسكري. يمكن إشراكه أيضًا ضمن الأطر التي تسمح بها اعتبارات الأمن القومي والسرية بطبيعة الحال في تصميم الأنظمة والعمليات والتدريب والمحاكاة.
المهندس، ومصمم الأنظمة، وخبير الذكاء الاصطناعي، وباحث العمليات، ومتخصص السياسات العامة، وخبير الـorganizational design، بل وحتى الروائي أو كاتب الخيال العلمي أحيانًا، يستطيع كل منهم أن يطرح سيناريو لم يخطر على ذهن الآخر.
والهدف ليس أن يحل المدني محل العسكري.
بل أن تصبح الخبرة المدنية قوة مضاعفة للخبرة العسكرية.
والمثير أن مصر بدأت بالفعل في الاتجاه نحو إشراك العقول المدنية في التكنولوجيا الدفاعية. السؤال هو: هل يمكن توسيع التجربة من تصميم السلاح إلى التفكير في المنظومة التي ستستخدمه؟
حادث دمياط: السؤال أهم من الافتراض
في 29 يوليو الماضي، تعرضت سفينتان في ميناء دمياط لحريق، وأعلن مجلس الوزراء بعد التحقيقات الأولية أن الحادث نجم عن طائرة مسيرة، مع عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن الواقعة حتى ذلك الوقت.
لا نملك من المعلومات العامة ما يسمح لنا بالقول ماذا رصدت الدولة، أو ما الإجراءات التي اتخذت، أو لماذا وصلت المسيّرة إلى هدفها.
ولهذا سيكون من الخطأ أن أقفز إلى استنتاجات.
لكن الواقعة تجعل مجموعة من الأسئلة مشروعة:
ما السيناريوهات التي نتدرب عليها لحماية المنشآت الحيوية من المسيّرات؟
كيف تنتقل المعلومة من الاكتشاف إلى التصنيف ثم القرار ثم التعامل؟
وإلى أي مدى يمكن اختصار دورة اتخاذ القرار في حالات الخطر الواضح، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الضوابط اللازمة لمنع الأخطاء؟
هذه معادلة صعبة. فالمركزية الزائدة قد تبطئ الاستجابة. واللامركزية غير المنضبطة قد تخلق مخاطر أكبر.
الحل ليس هذا أو ذاك، وإنما ما يمكن تسميته لامركزية منضبطة: سيناريوهات محددة مسبقًا، قواعد واضحة، تدريب متكرر، وصلاحيات معروفة لكل مستوى.
المنصة التي جعلتني أفكر في كل ذلك
أحد أكثر المعروضات التي توقفت أمامها اليوم كان نموذجًا مصريًا من إنتاج الهيئة العربية للتصنيع يحمل اسم:
Platform for 70mm rockets and interceptor UAVs for active counter-unmanned aerial systems (C-UAS) operations
و صورته موضحة اعلاه
ومن المهم هنا التمييز بين ما نعرفه وما لا نعرفه.
المصادر العامة المنشورة حتى لحظة كتابة هذا المقال تؤكد ان مشروع هذه المنصة فيه مواصفات تشغيلية جيدة للغاية.
لكن هذا بالضبط ما أثار اهتمامي.
لأنني عندما نظرت إليها، لم يكن السؤال الذي دار في رأسي فقط:
ماذا تستطيع هذه المنصة أن تفعل؟
بل:
كيف نضمن أن كل منظومة من هذا النوع، إذا اجتازت الاختبارات ودخلت الخدمة، تصبح جزءًا من منظومة دفاعية متكاملة؟
هل لدينا تصور واضح للمواقع والمنشآت التي تحتاج هذا النوع من الحماية بحسب مستوى المخاطر؟
هل الإنتاج قابل للتوسع إذا أثبتت المنظومة نجاحها؟
هل توجد منظومة متكاملة تربط الرصد والتعريف والتشويش والاعتراض؟
هل تتدرب الأطقم على تهديدات مختلفة بدلًا من سيناريو واحد؟
وهل تتحول نتائج كل تدريب أو حادث حقيقي إلى تعديل سريع في الإجراءات والتكنولوجيا والتدريب؟
عدم الاطمئنان قد يكون شيئًا إيجابيًا
أريد أن أكون واضحًا جدًا هنا.
أنا لا أملك المعلومات التي تسمح لي بالقول إن هذه الأشياء غير موجودة.
قد تكون لدى القوات المسلحة بالفعل إجابات متقدمة جدًا عن كثير من هذه الأسئلة، لكنها بطبيعة الحال ليست معلومات متاحة للعامة.
وأتمنى أن يكون ذلك هو الحال.
لكن عدم الاطمئنان الكامل ليس موقفًا سلبيًا تجاه الدولة.
في المؤسسات الجيدة، القلق المهني هو أحد محركات التطوير.
السؤال ليس: «هل نحن أقوياء؟»
بل:
أين يمكن أن نفشل رغم قوتنا؟
ثم نصمم النظام بحيث يمنع ذلك الفشل قبل حدوثه.
وهذا في رأيي أحد أعمق دروس أكتوبر.
لم ينتصر الجيش المصري لأن قادته افترضوا أن كل شيء سيكون على ما يرام.
انتصر لأنهم أمضوا سنوات يفكرون في الأشياء التي يمكن أن تسير بصورة خاطئة، ثم دربوا البشر على التعامل معها.
ما رأيته اليوم يدعو للفخر والتفاؤل.
هناك تقدم حقيقي في التصنيع العسكري المصري، وتوطين التكنولوجيا، وتطوير المسيّرات ومنظومات مواجهتها، وشراكات دولية تتضمن بصورة متزايدة عنصرًا من التصنيع المحلي.
والمرحلة التالية في رأيي هي توسيع تعريف التوطين نفسه.
التوطين ليس فقط أن نصنع المعدة في مصر.
التوطين الكامل هو أن نصنعها، ونطورها، ونبني عقيدة استخدامها، ونصمم سيناريوهات تشغيلها، وندرب البشر عليها، ونختبر النظام باستمرار، ثم نعيد تطويره بناءً على ما نتعلمه.
وهنا يمكن أن تكون الشراكة بين القوات المسلحة والمجتمع المدني والجامعات والشركات الناشئة والمهندسين والباحثين المصريين مصدر قوة هائل — بالطبع داخل حدود واضحة تحمي أسرار وقدرات الأمن القومي.
لقد نجحت مصر في إشراك العقول المدنية بصورة متزايدة في صناعة أدوات القوة.
وربما حان الوقت لتوسيع ذلك أكثر في التفكير في كيفية استخدام أدوات القوة.
ففي النهاية، التكنولوجيا مهمة.
والسلاح مهم.
والتصنيع المحلي مهم جدًا.
و مصر قطعت شوطًا مهمًا في امتلاك وتصنيع التكنولوجيا العسكرية. والتحدي القادم ربما لا يكون في السلاح نفسه، بل في الإنسان، والعقيدة التشغيلية، والقدرة على تحويل التكنولوجيا إلى منظومة جاهزة للتعامل مع سيناريوهات لم تحدث بعد.
فالسلاح لا يقاتل وحده. الإنسان الذي يفهمه، والمنظومة التي تديره، والسيناريو الذي تدرب عليه قبل أن تقع الأزمة — هم الذين يحولون السلاح من قطعة تكنولوجيا إلى قدرة حقيقية للدولة


